الإحصاءات الرقمية تسهم في دقة صنع القرارات الاقتصادية
د. محمد رياض حمزة -
mrhamza1010@gmail.com -
يُعتبر موضوع تحليل البيانات الإحصائية وكتابة التقارير ذا أهمية قصوى في مجال التخطيط وصنع القرار لدى العاملين والقيادات الإدارية في جميع المجالات. ولا بد للعاملين من الإلمام باستخدام مختلف الطرق الإحصائية المناسبة لمعالجة البيانات وتحليلها إحصائيًا للاستفادة. إضافة إلى أهمية التعرف على كيفية كتابة التقارير بعد الانتهاء من تحليل البيانات وتقديمها لمتخذي القرار بصيغة سهلة وبسيطة تساعدهم على اتخاذ القرار المناسب في ضوء معطيات التقرير. ولا شك في أن الإحصاء علم تطبيقي يخدم مجالات الحياة كافة، ويقدم الحلول المناسبة للعديد من المشاكل التي تواجه صُنّاع القرار في مواقع القيادات الحكومية وفي ميادين العلوم التطبيقية والتجارة والاقتصاد والتربية وعلم الاجتماع والعلوم الطبية وغيرها من العلوم.
وتعتبر المعلومات الرقمية التي مصدرها الدراسات والإحصاءات الميدانية من أهم الأسس المرجعية لصنع القرار في الدول المتقدمة التي تتبارى مؤسساتها البحثية في القطاعين العام والخاص في دقة ما تنشر من البيانات الإحصائية التي ترصد متغيرات أنشطة الاقتصاد والمجتمع، ومن النادر أن يكون هناك تفاوت فيما يُنشر من البيانات وإنْ حدث، فَتنشُر المؤسسة التي أخطأت تصحيحًا وتبين سبب الخطأ. وعند متابعة ما ينشر من معلومات إحصائية من الوزارات والبنوك وبيوت الخبرة ومراكز البحث العلمي والدراسات والشركات في كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي يوميًا وأسبوعيًا وشهريًا وفصليًا وسنويًا لتبيّنا تلك الأهمية التي توليها الحكومات والشركات ومختلف الأنشطة الاقتصادية والأعمال لتصويب قراراتها. بل إن هناك قوانين تُجَرِّم من يَنْشُر بيانات مظللة مغرضة هدفها الإساءة للغير في إطار المنافسة والشفافية. ولا تقتصر أهمية دقة المعلومات الرقمية على الاقتصاد والتجارة والأعمال، وتتعداها للشؤون الاجتماعية والتعليمية والصحية وحتى السياسية، فضلا عن المتابعات والتنبؤات لمتغيرات البيئة.
كما أن لتحليل الإحصاءات والخروج بالاستنتاجات المبنية على البرهان الرقمي وصياغتها بلغة واضحة مفهومة سيكون مكملا للأهداف التي وضعتها الجهة التي بدأت العملية الإحصائية.
ويؤكد الخبراء أهمية توافر الدقة في المعلومات والبيانات الإحصائية واستخدام التقنية الحديثة تُمَكِّن متخذو القرارات الاقتصادية والاجتماعية التوصل إلى حلول للمشكلات التي تواجه عملية التنمية الاقتصادية أو المجتمع. فعملية رصد أي متغير في أي موضوع ميداني وتحليل البيانات المحصلة، سيكون بمثابة انعكاس للواقع، وعليه فلابد من أن تكون هذه البيانات علي قدر عال من الدقة لأنها ستستخدم في صنع القرار، وإن متخذي القرار سيطلعون على نقاط الضعف والقوة في موضوع الدراسة الميدانية.
أما البيانات الإحصائية اللازمة لصنع القرارات وللدراسات والبحوث فمصدرها سجلات المتابعة اليومية الإدارية والمسوحات الإحصائية الميدانية التي تعمل على جمع البيانات من مصادرها الأصلية. وتقاس جودة البيانات ونتائجها بالمقارنة بالبيانات والنتائج التي يتم تحصيلها من المسوحات الميدانية التي تجرى تباعا. ولا بد من التركيز على أهمية جودة البيانات المرتبطة بمدى دقة وكفاءة البيانات الإحصائية فأصبحت جودة البيانات الإحصائية تتناول أبعادًا أخرى تقاس من خلالها جودة البيانات الرسمية، من هذه الأبعاد التوقيت المناسب، الاتساق والاكتمال، الترابط والتماسك، البيئة القانونية والمؤسسية..الخ.
كما يقصد بدقة البيانات «مقدار انحراف التقديرات التي تبنى على هذه البيانات عن المعلومات الرئيسية للمجتمع الذي تمثله هذه التقديرات». وعليه فإن البيانات الميدانية هي بيانات إحصائية يتم الحصول عليها نتيجة لعمل إحصائي ينفذ ميدانيا من خلال عينة من وحدات المجتمع يتم اختيارها بحيث تكون ممثلة للمجتمع. وان تنفيذ المسح الميداني يمر بعدد من المراحل يبدأ بالمرحلة التحضيرية فمرحلة العمل الميداني، ومن ثم مرحلة معالجة البيانات، وتتبعها مرحلة استخراج النتائج وتحليلها.
وللمحافظة جودة البيانات الميدانية يجب التركيز على دقة الإجراءات ومراحل العمل، وتقليل الأخطاء التي تصنف إلى أخطاء المعاينة والتي تظهر نتيجة لتمثيل العينة لوحدات المجتمع ويعبر عنه بالفرق بين قيمة التقدير من واقع البيانات والقيمة الحقيقية للمجتمع. والنوع الثاني من الأخطاء هو الأخطاء الإجرائية التي تأتي نتيجة لتراكمات الخطاء يمكن ارتكابها من جميع الفرق العاملة على تنفيذ العمل الميداني سواء فرق التخطيط للمسح أو التجهيز والإعداد أو فرق التنفيذ الميداني ومعالجة البيانات.
وبقدر أهمية دقة البيانات الإحصائية في صنع القرارات فإن تلك المعلومات تعتبر أرقاما صماء إنْ لم تُبيّن دلالاتها وتوضح معانيها، فالكثرة الكاثرة من المطبوعات التي تصدرها الجهات الحكومية عن المتغيرات الإحصاءات السنوية والفصلية والشهرية وغيرها إن لم تُحلل وتُبيَّن دلالاتها بشفافية فإن فائدتها ستكون محدودة.
وفي السلطنة فإن نظام الإحصاءات الرقمية الذي يعتمده المركز الوطني للإحصاء والمعلومات (المجلس الأعلى للتخطيط) يوفر المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية الحيوية عن السلطنة عبر الشبكة المعلوماتية منظمة وفق أنشطة القطاعين العام والخاص، ذلك إلى جانب طباعتها بدوريات سنوية وفصلية وشهرية وتوفيرها بكتيبات بما يغني الباحثين والمهتمين بمتابعة التطورات الاقتصادية والاجتماعية ملخصة بمؤشرات ترصد التقدم والإنجاز ومستوى الأداء في النشاط والقطاع المعنى من خلال توفير سلسلة زمنية للبيانات قطاعيًا وجغرافيًا، بالإضافة إلى توفير خصائص الاستعلام البياني التفاعلي لبيانات مبوبة تمكن الباحث من وضعها في قوالب بيانية متعددة حسب احتياجاته.
كما أن هناك عددًا من الجهات الحكومية تصدر تقارير دورية تتضمن متابعات إحصائية متخصصة في أنشطتها، ولعل الأهم في تلك المعلومات الإحصائية دقتها وتطابق ما ينشر منها من مختلف مصادرها، إذ أن أي اختلاف في مؤشر رقمي لبيان محدد مصدره جهتان يفقد الثقة بصدقيته.
نموج للتوثيق الإحصائي: التوثيق اليومي لعمل مديريات ودوائر وزارة القوى العاملة (الوزارة) يمكن اعتباره توثيقًا يمكن الاعتماد عليه في صنع القرار والدراسات والبحوث الأكاديمية على اعتباره نتاج آلية للمتابعة اليومية في التوثيق لخدمات الوزارة كلها، فدائرة التراخيص التابعة للمديرية العامة للتشغيل التي تعمل على مدار ساعات الدوام الرسمي توثق ما أنجزته من المعاملات المستوفية لمتطلبات استقدام القوى العاملة من خارج السلطنة للحاجة الفعلية لمنشآت وشركات القطاع الخاص وبعد التأكد من عدم وجود قوى عاملة وطنية لشغل تلك المهن والوظائف التي يستقدم الوافدون لها. كما أن الوزارة تلزم منشآت القطاع الخاص بإعلامها عمّن تشغل من المواطنين ومن الوافدين أولا بأول، فيتم توثيق أعداد من هم على رؤوس عملهم من القوى العاملة الوطنية والوافدة حسب مختلف الأنشطة الاقتصادية في منشآت القطاع الخاص.
أما عمل خدمات الوزارة للرعاية العمالية فإنه يوثق يومًا بيوم، إذ يقوم جهاز التفتيش التابع للمديرية العامة للرعاية العمالية، دائم العمل، بمراقبة تطبيق أحكام قانون العمل فإنه ينفذ حملات التفتيش الشامل والتفتيش المشترك مع شرطة عمان السلطانية والتفتيش التخصصي، كما تشمل حملات التفتيش أيضًا التأكد من تطبيق المنشآت لأحكام اللائحة التنظيمية لتدابير السلامة والصحة المهنية في مواقع العمل.
ومن خلال الشبكة الإلكترونية في الوزارة تتسلم المديرية العامة للتخطيط والتطوير المعلومات الإحصائية اليومية كافة من المديريات العامة التابعة للوزارة في ديوانها أو في المحافظات تعمل دائرة الإحصاء على تصنيف وتبويب الإحصاءات الرقمية التي توثق الأداء اليومي فضلًا عن الدراسات والتقارير الأخرى التي تشمل، إضافة إلى التشغيل والرعاية العمالية برامج التشغيل الذاتي والتعليم التقني والمهني (الكليات التقنية السبع ومراكز التدريب المهني ومركز ومعاهد تأهيل الصيادين) والمؤسسات التدريبية الخاصة وبرامج التدريب المقترن بالتشغيل وضمان ضبط الجودة وخدمات مركز المعايير المهنية. وكل ما تقدم تنشره الوزارة بتقارير يومية وأسبوعية وشهرية وسنوية، ومنه ما يوضع على موقعها على شبكة الإنترنيت ومنه ما تنشره صحف السلطنة اليومية.
